العشق الإلهي

تعددت مفاهيم المحبة عند الدارسين غير أنها لم تخرج عن الميل القلبي إلى الخالق، يقول الجُنيد: "المحبة ميل القلوب، معناه أن يميل قلبه إلى الله وإلى ما لله من غير تكلف". وجاء عند غيره أنها "الموافقة، معناه الطاعة له فيما أمر والانتهاء عما زجر والرضا بما حكم وقدر". وعليه فالمحبة تتحدد من خلال مجموعة ألفاظ متعلقة بالقلب: الميل، الموافقة، الطاعة، الرضا، الإيثار، اللذة... تقول رابعة العدوية:

أحبك حبين حب الهوى

وحبا لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى

فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له

فلست أرى الكون حتى أراك

فما الحمد في ذا ولا ذاك لي.

ولكن لك الحمد في ذا وذاك

تأخذ رابعة العدوية المعنى من الآية 54 من سورة المائدة ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم). الشاهد من الآية (يحبهم ويحبونه).

إن السالك في طريق الصوفية يرى في التواصل بينه وبين خالقه دينا أو عقيدة لا مناص منها لأهل التصوف، وقد ظهر العشق الإلهي في العصر العباسي بشكل لافت منذ القرن الثاني في بغداد، والتي تعد مدرسة تخرج منها العديد من الصوفية كالحلاج ورابعة العدوية. هؤلاء الذين لبسوا الصوف وعُرفوا به، كانوا في الحقيقة زُهّادا وادعين أكثر منهم متصوفة، فإدراكهم المستولي عليهم للخطيئة كانت تصحبه الرهبة من يوم القيامة وعذاب النار؛ تلك الرهبة التي ليس في طوقنا أن نتحققها، والتي صُوّرت في القرآن تصويرا حيا دفعتهم إلى أن يجدوا في الهرب من الدنيا مخلصا لهم.

صورة متخيلة لـ رابعة العدوية