Résumé de section

  • إن للكلمة المنطوقة مكانة هامة في حياة سكانها بشمال إفريقيا، و بعيدا عن التصورات الباعثة على الفلكلورية، فهي تعكس مختلف النشاطات الاقتصادية والاجتماعية المعاشة من قبل هذا المجتمع المغاربي.

    وقد ظلّت ثقافته الشفوية متواصلة رغم الاستعمارات المتتالية التي شهدها شمال إفريقيا وتعرفها لاكوست بقولها":هي كل التعابير غير المكتوبة التي ينتجها فرد أو جماعة اجتماعية،أعدّت في محتواها وشكلها،وأنتجت لكي تتكرّر وتنتقل،في وسط الجماعة نفسها،وتكوّن هكذا جزءا من ثقافتنا1" تعتمد الشفوية على الذاكرة التي تحفظها وتحفظ أشكالها التعبيرية من أساطير، حكايات شعبية، حِ رف،حلي....المتوارثة بفضل وفاء جدودنا لها، وهذا ما يجب الحفاظ عليه من باب المسؤولية الأخلاقية.

    في هذا الصدد يقول مولود معمري بأن " الحضارة الأمازيغية لأسباب ربما تاريخية هي حضارة الكلمة2 "، و هو يقصد الكلمة المنطوقة الشفوية، وذلك لكونها وسيلة التعبير عند كل شعب ، حسب طريقته و رغبته في التعبير.

    إن الدارس للأعمال الفنية للحركة الشعرية الأمازيغية الحديثة، يلاحظ دون عناء أنها تجسد مثل غيرها من الحركات الشعرية الأخرى في المجتمع الأمازيغي، نزوعا جامحا وطموحا كبيرا، إلى تحديث النص الشعري وإكسابه من المميزات الفنية والخصائص الإبداعية ما يرقى به إلى مستوى النصوص الشعرية في مختلف الآداب العالمية المعاصرة، خاصة أن شعراء هذا الجيل ينتمون في أغلبهم إلى الطبقة المثقفة أو المتعلمة، وهو الشيء الذي ساعدهم على تحويل ما طرأ على مجتمعهم من متغيرات، إلى رؤى إبداعية ناضجة ، تجاوزت بوسائلها وتقنياتها طابعها الشفوي إلى طابع التدوين والكتابة، باعتبار الكتابة في حد ذاتها، فعلا حداثيا في مثل المجتمعات الدائبة على التقليد الشفوي، هذه التي حققت قفزات نوعية، سمحت بالانتقال التدريجي للعملية الإبداعية الشعرية، من طابعها الشفوي الموروث إلى طابع كتابي مستحدث، وهي في أساسها ميزة شديدة الارتباط بالحركة الشعرية الأمازيغية عموما.1

    يرى الباحث" أحمد عصيد" أنّ « فعل الكتابة بالأمازيغية هو فعل الانتقال بتراكيب هذه الثقافة من العفوية إلى النظام القائم على قصدية واعية، قصدية المثقف ، من القول المرتجل الذي يشبه الانعكاس الشرطي لمثير خارجي، إلى هندسة الخطاب، ومنحه فضاء تتوزع فيه مختلف العلامات تبعا لتخطيط مسبق. من القول العفوي الذي يختزل خبرات الجماعة وحكمتها في صيغ بلاغية جاهزة ومتوارثة، إلى تجربة الفرد وإحساسه الدرامي بالتميز. من إنتاج الشبيه والحرص على الامتثال إلى نمطية القول وتقنياته المحددة سلفا في تقليد الشفوية، إلى النقد والم ارجعة واستشراق الآفاق الممكنة والبحث الدؤوب عن البديل2» ويصف هذه العملية الانتقالية من الشفوي إلى الكتابي على أنها من الانشغالات الأساسة التي يتقاسمها جل الشعراء في المجتمع الأمازيغي المعاصر«إنها الرغبة في نقل الخطاب الشعري، من تقاليد الشفوية و التلقائية والإنتاج الجماعي والرؤى المتوارثة، إلى مستوى الإبداع الفردي ، الذي يختزل وعي الجماعة ويعيد إنتاجه في إطار وعي مركب، تتقاطع فيهعناصر ثقافية مختلفة... إنها هاجس تحديث الشعر الأمازيغي3ف»

     فهذا الوجه الحداثي بكامل ما يرتبط به من مزايا وفضائل قد تجسد بشكل عملي في حقل الإبداعات الشعرية الأمازيغية، إذ تحقق الانتقال التدريجي من الارتجالية والعفوية في النظم إلى مستويات التأليف والإبداع الواعي، القائم أصلا على ما تتيحه فضاءات الكتابة والتأليف من مزايا فنية تفتقر إليها مجالات الفعل الإبداع الشفوي، هذه المزايا التي لخصها "أحمد عصيد" بشكل دقيق في القولين السابقين، والتي من شأنها أن تساعد الشاعر المبدع على التحكم في آليات الفعل الإبداعي بطرائق فنية مستحدثة، كالتخطيط المسبق في رسم هندسة القصيدة، وتوجيه الخطاب الشعري بكيفيات فنية مقصودة ، مما يتيح له مجالات واسعة للنقد والمراجعة النصية، التي تكسب القصيدة إشراقة في القول، وعمقا في الرؤى، إلى جانب ما يحققه هذا الطابع الكتابي من خلود للنص الشعري المبدع، وضمان استمرارية هوية مبدعه على مر الأزمان1يقول د.محمد جلاوي«: وهذه النقلة الحداثية التأليفية تظهر على وجه الخصوص من

    خلال أعمال رواد الحركة الشعرية القبائلية الحديثة من أمثال : لونيس آيت منقلات، معطوب الوناس، بن محمد ، ومحند أويحي،ومن ساروا على نهجهم من الشعراء الشباب2»و يمكن القول إنّ الشعر، باعتباره تعبيرًا شفويًا، بدأ في استعمال الآلآتالتقنية الجديدة ، مرورًا بالأغنية، لكونه يعتمد على الذاكرة المتوارثة، و المتواصلةبين الناس، مما يجعله جامعًا و مساهمًا في خلق التماسك الاجتماعي في جماعةما، و يصبح أعضاؤها يشعرون بمشاعر إيجابية قوية نحو جماعتهم، و تكون لديهم رغبة في استمرار عضويتهم، فُتحقق بذلك الروح الجماعية..كما يتضمن موافقة الأعضاء علىالأهداف المقرِّرة للجماعة و معاييرها و بناء الأدوار بها، بحيث يدخل في العلاقات

    الاجتماعية، و يخلق الناس لها عادات ثقافية، لُتصبح من عناصر ثقافتهم. 

    و  رغم أن أعمال بعض هؤلاء الشعراء غالبا ما ترد مصحوبة بالغناءوالأداء الموسيقي ، غير أن النص الشعري المرافق لهذا الأداء يكون في أساسه وليد النسقالكتابي والتأليفي، بمعنى أنه يقوم على كل تلك المزايا والفضائل التي تتيحها فضاءات التأليف والكتابة بوجهها الحداثي.

    إنّ النقلة الحداثية التأليفية تتجلى بشكل أدق في بروز حركة النشر للمجموعات والدواوين الشعرية، التي دأب أصحابها على هذا النهج التأليفي والكتابي، ولعل من أهم المجموعات الشعرية المنشورة ما يعود إلى مطلع الثمانينات ،)باستثناء بعض الأشعار التي تضمنتها كراريس بلعيد آيث علي والتي تعود إلى سنة 1964المجموعة الأولى :للشاعر أحمد زايد 1981بعنوان: أشعار المسجون " n isefra

    ،" umeḥbus

    والثانية للشاعر أرزقي المكي1982: بعنوان خبز الشعير للطفل الضائع pain Le

    d’orge de l’enfant perdu

    ثم تلت العديد من المجموعات والدواوين الشعرية، التي سجلت حضورا مميزا ضمن حركة الإنتاج الشعري القبائلي المعاصر.فلا بأس أن نذكر البعض من هذه الأعمال، برهانا على سعة هذه النقلة التأليفية في ميدان

    الخلق الشعري القبائلي ، فمنها على سبيل المثال المجموعات الشعرية التالية:1

    -حلم الشاعر umedyaz n Targit للشاعر أوموح مزيان .1988

    -من غير بلاد- tamurt Wer للشاعر الحسين يحي، 1912م

    -بقرة اليتامى  yigujilen n Tafunast للشاعر عمر مزداد،1912م

    -ماذا حدث بنا - yuɣen aɣ i acu D رشيد سحيقي/سليمان إبراهيم 1912

    -نداء الشباب yilmezyen- n Tiɣri لمحند أمزيان عميرات، 1911م

    أمواج البحر lebḥer- n Lemwaji للشاعر كمال صابي 1922م

    -تفسوينTifeswin-  للشاعر سالم سالم زينيا 1921م

    كنت قبل ما أكون- iliɣ ad uqbel lliɣ للشاعرة لندة كوداش 1921م

    نداء الحبtayri- n Tiɣri للشاعرة بوغداد العلجة 1921م

    -المجموعات الشعرية للشاعر بلقاسم إحجاثن المذكورة سابقا 1921م1921-م

    كتابات أعمر أومزداد:

    مميّزات كتاباته :

    *تتناول كتاباته مواضيع في أشكال التعبير الشفوي للأدب الأمازيغي كالمثل ، الحكاية والأغنية... لكننا سنركز هنا على جزء من دراسة قدّمتها الأستاذة فضيلة عشيلي1 بعنوان التناص في الخطاب الرومانسي القبائلي في رواية عمر أومزداد "  ليل ونهار wass" d Iḍ

    يعتمد أعمر أومزداد في هذه الرواية ،بكثرة ،على استعمال المثل في النص الرومانسي، وهذا ما يرسم ملامح الصرح الثقافي الذي ينتمي إليه المؤلف،يمكن للنصوص الشفوية أنتشكل مادة يمكن للمؤلف أن يصوغها وفقًا لقواعد النظام الأدبي ، وذلك لبناء أعمال تبدأ من صور حقيقية مستمدة من اللغة المنطوقة والعواطف الموجودة.وكثيرا ما تتناصص إبداعاته المقدّمة في روايته مع أمثال مروية على ألسنة الناطقين بها في يومياتهم.

    : هذا هو الحال مع هذا المثل الذي أعاد المؤلف النظر فيه إلى حد الخلط مع إبداعاته.

    "Ma yuli wass ،ma ttsen waman deg yeɣ zer nettat ur tettis". 

    الهيكل الأساسي لهذا المثل هو كما يلي:

    ur iggan,ar lama ttsen waman deg yezran
    بإزالة المثل من أي دليل أو حقيقة تشير إليه، شرع الراوي المؤلف في تعديل مخطط هذا المثل في هيكلها لدمجه في ذلك

    نصه إلى حد تحويل المثل عن بنيته الأصلية نسخ أو لفظي مثل التجويد والإيقاف المؤقت ،يؤدي غالبًا إلى تفاعل إجمالي بين بنية النص وبنية مرور الدخيل. ويعزى هذا التفاعل إلى حقيقة أن المؤلف ذكر تعابير جاهزة من حوله ، مثل الأمثال الشعبية والأمثال القديمة وغيرها التراكيب المنطوقة المألوفة لديه. هذه الهياكل الخطابية مرنة وقابلة لإعادة التشكيل هي الآن "جاهزة للاستخدام" في إنتاج رومانسي ولم يعد يتطلب استنساخً ا حرفيًا بالهيكل والتخطيط الأصليين.1 بهذا المعنى ، هم دمجها مع النص المضيف ومحو نفسها لإزعاج القارئ الذي لا يعرف مادته الشفوية والشعبية ومن هو وجدت في عدم القدرة على اكتشافها. المقطع للكلمة المكتوبة من هؤلاء الأمثال والأحكام الشفهية تشوه "كيانهم" بإفسادهم التحول .الخصائص الصوتية والمورفولوجية. يندمجون - والخلط في البنية المتكاملة للنص إلى الكتابة من أشكال التعبير التي هي بقي في الجنس الفموي لفترة طويلة جدًا ولم ينتجعنه أي خلع أو تمزق في بنية الرواية. وبالتالي ، لم يحدث ذلك غيرت الأداء الشفهي يبدو .للمؤلف من خلال تجنب إنشاء ملف عدم الانسجام مع اللغة المعتمدة في كتابة نصه، هذا أقرب إلى اللغة التي يتحدث بها من حوله وله لذلك فإن لغة الكتابة سوف تمثل امتدادًا .منطقيًا لذلك.

    لغة السرد التي اعتمدها المؤلف في عمله لها رفعت إلى نفس المستوى الإدراك مثل قرائها.

    في الواقع ، هم كلهم يتعرفون في النموذج نفسه اللغوي الذي هم فيه يتم التعبير عنها شفهيًا، خاصةً أنه لا يوجد فرق جوهري بين لغة الحديث ولغة الكلام ذكرت ، أو حتى تنقلها شخصيات الكون بصرف النظر عمّا هو ضروري للتعبير ، فإن المؤلف هو من النادرين الذين قاوموا بتصميم الهياكل الباروكية الجديدة على اللغة واختارت أسلوب كتابة فريد تتميز بوضوح الكلمات وبساطتها ، ووضوح الجملة وأصالتها وإمكانية الوصول إلى الكلمة المعتادة. 

    هذه الواقعية في الكتابة أنقذت القارئ من عبء البحث الشاق عن معنى الكلمات. هذا سمح أيضا للمؤلف أن يروي له القصة ، ينقل كلامه من أجل الحصول على ردود الفعل وتعبير أكثر أصالة عن الواقع الاجتماعي والثقافي الذي ألهمته بموضوع تجربته الكتابية الأولى في الأخير يمكن القول إنّ:

    إدخال الأمثال في رواية عمار مزداد يحيل القارئ على إطار مرجعي محدد وإلى الوقت الذي إنه ليس الكلام أو القراءة. يأخذ تكاملها شكل الاقتباس ، نادرًا ما يتم اقتباس الأمثال تلميح. حتى عندما لا يتم إعلان الأمثال ومحدد بعلامات اقتباس أو بمقدمة المؤلف –الراوي يستخدم كصيغة لتحديد طبيعة النص الغائب ، ويلجأ القارئ إلى الكلمات التي تساعده .على تحديد الطبيعة من النص المقتبس.