Section outline

  • تعد عمليةاختيار الموضوع، المرحلة الأساسية في البحث تفعلها قدرة الباحث على المواصلة والوصول إلى نتائج جيدة، أو التعثر والإخفاق.

    فالاختيار عملية ذهنية توجه فكر الطالب نحو المصادر التي يستقي منها موضوعه؛ أولها رصيده المعرفي، المتكون من قراءته، ومما تعلمه في مسيرته الدراسية، من ملاحظاته واستفساراته، وعتراضاته أو رضاه؛ لذلك يفضل إذا كان الطالب بحدود المعرفة أن يلجأ إلى أحد مصادر الأدب واللغة العامة القديمة والحديثة، ليكون فكرة عامة عن المجال المراد البحث فيه.

    هل الطالب بحاجة إلى من يساعده في اختيار الموضوع؟

    إن قراءات الباحث، وخلفيته المعرفية هي أول مساعد له، غير أن الإنسان بحاجة إلى من يوجهه بوجهة نظره مهما بلغ من العلم، فالنفس في العلم قد تقنع بالقليل، والفكر قد يثبت عند قضية ما تستهويه، فلا يحيد عنها.

    لابد أن يلجأ الطالب المبتدئ إلى الأستاذ المشرف ليوجهه نحو مجال معين يطالع فيه حتى إذا تبلورت في ذهنه إشكالية ما، حدد الموضوع، وقد تفيده مناقشته مع أصدقائه أو أساتذته؛ لأن كثرة الآراء وتنوعها تسهم في توضيح الأفكار، فقد تتبين له بداهة فكرة استهوته، أو ضعف إشكالية حيرته، أو سؤال قد أجيب عنه ولم يطلع على مصدره.

    إن أكثر البحوث اشتمالا على المخاطرة؛ هي تلك التي يتسرع في السجيل فيها بدافع الحماس والطموح المبالغ فيه، الذي يقترن في أحيان كثيرة باعتداد بالنفس، أو إفراط في التسرع، لكي لا يقع في هذه المخاطر، عليه أن يسير وفق منهجية معينة في اختيار الموضوع.

    يبدأ البباحث في اختيار المجال الذي يرغب أن يبحث فيه، بحسب الرغبة الفعلية فيه، ثم يحدد الظاهرة المراد مناقشتها والإحاطة بها، وبعد ذلك يصوغ الإشكالية أي؛ ما يثير التساؤل في الظاهرة، وما يقتضي الإجابة عنه، ثم يضع افتراضات للإجابة عن الأسئلة بالسعي إلى إثباتها أو دحضها.

    أن ذلك كله ينبغي أن يكون مرتبطا بالهدف من البحث، وعلى الرغم من أن للبحث أهدافا كثيرة يجب أن يضعها الباحث نصب عينيه وبحسب الـأولوية، ومنها:

     يجب أن يعرف أي باحث، أن كتابة بحثه هي منبع إرضاء معرفي عميق، ينمي الفضول المعرفي، ويحفزه إلى جانب كونه ضرورة علمية، تمكن الباحث من الحصول على شهادة علمية تسمح له بأن تكون له مكانة مهمة في المجتمع.

    إن الحث نشاط يمكن الباحث من توجيه ذهنه نحو عدة أمور، منها:

    1/ القدرة على حصر الإشكالية، ما يراها ضرورية في تكون ظاهرة ما، أو تطويرها أو تهميش ظاهرة أخرى.

    2/ إعطاء أفكار شخصية من خلال تخمين إجابات لافتراضات تثيرها الإشكالية، وتنظينها وفق آليات منهجية معينة.

    3/ الاكتشاف والتعرف على آراء وأفكار الآخرين من خلال المراجع التي يتمكن من جمعها وقراءتها ، وبالتالي اكتساب معلومات ومعارف إضافية تسهم في تكوين شخصيته والرفع من مستواه.

    إن معرفة هذه الأمور نظريا، لا تفيد الباحث في شيئ ما لم يمارسها، ويحرص على الاستفادة من كيفية توظيفها من أجل إختيار  موضوع بحث تتوفر فيه الشروط الـأكاديمية اللازمة؛ ولذلك هناك أدوات للتخطيط والتفكير، من أجل الوصول إلى الهدف المرجو من إختيار الموضوع، وأهمها :

    1/ وضع أسئلة الإشكالية

    2/ صياغة الفرضيات

    3/  تحويل المعطيات إلى موضوع إشكالي

    كثيرا مايقال يجب نوفر إشكالية للبحث، وعادة مانناقش قضية قضية خلو البحث من إشكالية دون أن نعطي الأهمية إلى كيفية صياغتها، وكيف تكون الأسئلة هي الأداة الأساسيىة للتفكير|، وزيادة التحصيل العلمي.

    إن تعثر الباحثين المبتدئين في صياغة الأسئلة، يعود بالدرجة الأولى إلى الطريقة التي تعلموا بها، فمازلنا نلقن الطلبة، ونستبعد الطريقة الحوارية..

    لذا يبد و طبيعيا أن يختار الطلبة في مستوى الدراسات العليا في إختيار موضوع للدراسة، لذلك يبدو من المهم الحديث عن كيفية الوصول إلى وضع أسئلة، لأن أي إشكالية لابد أن تتشكل منها، وأن موضوعا دون إشكالية محكوم عليه بالفشل.

    ماهي شروط صياغة موضوع أكاديمي؟

    1/ الدقة والوضوح؛ أن لا يكون في العنوان غموض أو إبهام، ولا ما بدعو إلى الشك والتأويل، ولا يكون طويلا مملا، ولا قصيرا مخلا.

    2/ الجدة والابتكار؛ ويقصد بها الإضافة العلمية، التي لا يكرر فيها موضوعات أو يعيد صياغة إشكالية مدروسة، فالجدة قد تكون آتية من الإشكالية الجديدة المطروحة، أو من المنهج الجديد التي تعالج به الإشكالية.

    وهذا لا يمنع الباحث بأن يختار موضوعا مطروقا إذا رأى أنه يستطيع أن يأتي بالجديد أو يثبت ضعف النتائج السابقة ىأو عدم كفاية المنهج المطبق في الدراسات السابقة.

    3/التحديد الزماني والمكاني:

    وهو مرتبط بسعة الموضوع؛ لأن غياب الإشكالية في كثير من الأحيان يكون هو المسؤول عن عدم التحديد والدقة، ولا يشترط بالضرورة ذكر المكان والزمان بالتحديد، لأن هناك مصطلحات نتعرف بها على ذلك ؛ كاسم الكاتب، أو القدم والحداثة، فذكر المتنبي مثلا: يكفي للدلالة على العصر العباسي، كما أن الشعر العربي المعاصر، والروائيين الشباب على المرحلة الحاضرة.

    إن هذه الشروط تمكن الباحث من عدم التردد بين العنوان الجملة والعنوان الفقرة، العنوان البرنامج، والعنوان التركيب، والعنوان التساؤل، والعنوان التأكيد، والعنوان المختصر، والعنوان الذي لا ينتهي، العنوان الصحفي المستفز، والعنوان الحيادي العلمي.

    إن تحقق الأكاديمي بشكل نهائي لا يكون إلا بعد الانتهاء من البحث؛ لذلك كثير ما يكون العنوان النهائي هو آخر ما يكتب، وللعنوان أهمية كبيرة بالنسبة للقارئ فهو بداية البحث.

    وإذا كان العنوان الإبداعي يتحمل الإيحاء والغموض، ولا يعطي قرائن كثيرة للقارئ، من ىأجل تعيين المعنى، فإن العنوان الأكاديمي لا يؤدي هذا المعنى نظرا للشروط التي ذكرناها.

    فهو باعتباره أولا يعد بداية لسيرورة سيميائية للبحث، ونقطة بداية ولادة، فعندما يقرأ لأول وهلة يفترض من القارئ تأويلات معينةوافتراضات قد يجدها محققة فيصبح العنوان إشارة لرسالة البحث ويغدو فهمها إدراكا للقصد منه.

    فـأيهما أصلح للطالب الموضوع النظري أم التطبيقي؟

    كثيرا ما يحتار الطالب في طبيعة الموضوع الذي يختاره، خاصة فيما يتعلق بمسألة النظري والتطبيقي، ففي الوقت الذي نجد فيه بعض الطلبة يحبذون البحث فيما يسمى الموضوعات النظرية؛ لأنهم يعتقدون خطأ أنها الأسهل؛ كونها مرتبطة بعملية جمع نصوص من الكتب وتنظيمها وتنسيقها، يعتقد آخرون أنهم ولكي لا يضيعوا بين النظريات والأفكار لابد أن يختاروا موضوعات تطبيقيةوهو الأسهل بالنسبة إليهم أيضا؛ لأنه يبعدهم عن الأفكار والنظريات التي قد تكبلهم وتحد من حريتهم.

    إن مصطلحي السهولة والصعوبة ليسا معيارين صحيحيين للحكم على مفهوم النظري والتطبيقي؛ لأن التطبيق وارد في كلا الموضوعين سواء من يعتمد فيه على تحليل نظرية أو مفهوم، أو على تحليل نصإبداعي، وبالتالي:  لا معنى لوجود موضوع نظري بالمفهوم المتعارف علي، كما لا يوجد موضوع تطبيقي صرف، ومن يعتقد أنه يطبق دون خلفية نظرية، لا بد أن يعلم أنه ((لا توجد موضوعات تطبيقية بدون معارف نظرية)) 

    إن مفهوم الشعرية عند العرب، أو مفهوم العلامة عند علماء الأصول أو عند بورسPerce  مثلا هو موضوع نظري بالنسبة إلى من توصل لا إلى هذه النظرية أو تلك، أما بالنسبة للباحث الذي يحاول أن يبحث في هذا المفهوم أو النظرية، فهي محاولة للتحليلها والوقوف على خصائصها ومقارنتها واستباط أحكام معينة منها، وهذا لا يختلف فيه مع باحث آخر يتناول رواية، ويكطشف عن كيفية بناء شخصياتها يحللها ويستنبط نتائج منه.

    فالإشكال قائم في طبيعة الموضوع ذاته، هل هو موضوع إشكالي، يطرح أسئلة مهمة تضيف جديدا إلى البحث العلمي، أم أنه موضوع وصفي تجميعي؟ لا يحتاج إلى دراسة؟

    أم أنه بحاجة إلى أن يتحول إلى موضوع إشكالي

    كيف نحول موضوعا ما إلى موضوع إشكالي؟

    هناك اعتبارت كثيرة تتحكم في تحويل موضوع ما إلى موضوع اشكالي، ترتبط بطبيعة تلقي ظاهرة معينة لدى القراء، أو نتائج هيمنة موضوع معينىفي فترة زمنية معينة، دون أن يسأل لماذا يحصل ذلك، كما ينبع من ملاحظة نتائج ظاهرة معينة، وأثرها في الواقع على القراء وفي البحث العلمي قد يعود إلى الغرض من تحويل موضوع ما مهما كانت طبيعته  أو إلى أسباب أخرى مختلفة لاختلاف التوجهات والإيديولوجيات والمستوى وغير ذلك