مقدمة عامة
الخطوط العريضة للقسم
-
باسم الله الرحمن الرحيم
الحياة الثقافية والأدبية في الجزائر خلال القرن19
تمهيد:
تحديد مصطلح الأدب الجزائري
يشير مصطلح الأدب الجزائري إلى الأدب الذي كتبه السكان المحليون لبلاد، معبرون من خلاله عن واقعهم بكل أحزانه، وما آلت إليه حياتهم من بؤس ومرارة وفقر وتشرد.
ويعد هذا الأدب رافدا ممتازا للأدب العربي في القرن الحديث، بسبب تميز الجزائريين عن إخوانهم – أهمها على الإطلاق- تجربة التغريب الحضاري، المتمثلة في مأساة الاحتلال الفرنسي، ومحاولة قضائه على كل معالم ورموز الشخصية الوطنية.
فهو إلى جانب ارتباطه ارتباطا متينا ومتعددا بالنهضة شأنه في ذلك شأن الأدب العربي الحديث لأنه أحد مظاهرها وثمارها، وأحد عواملها الفعالة، ومن سماتها يستمد الأدب الجزائري الحديث قيمته.
والأدب الجزائري الحديث ينفرد بين آداب الشعوب العربية بمجموعة من الخصائص قلما تجتمع في أدب واحد على مجرى التاريخ، وفي مقدمتها ذلك التشابك المعقد بين تيارات ثلاث جمعتها ورسختها الظروف التاريخية وهي: التيارات البربرية والعربية والفرنسية، لغة وحضارة؛ لقد ازدوجت في أحسن الأحوال ألسنة أدباء الجزائر وقلوبهم،ـ وتبلبلت في معظم الأحوال أفكارهم التي تراوحت بين الشدّ والجذب بين المدّ والجزر، فالثقافة الفرنسية التي يحمل لواؤها الاحتلال المقيم على مدى مائة وثلاثون عاما، تحمل في تضاعيفها التقدم والتطور والتغيير، إلا أنه في الوقت نفسه كان الاستعمار الفرنسي يحمل أهوال التخلف والفقر والموت، في حين كانت عروبة الجزائريين تمثل الخلاص الوحيد الممكن من قبضة الاحتلال.
وبين الثقافة الفرنسية المقروءة والمكتوبة، والثقافة العربية المكتوبة فب بعض الأحيان، المنطوقة في أقلها كانت تترنح اللغة البربرية على ألسنة مجموعة من القبائل تسكن الجبال، وتحرص على أدبها الشفهي حرصا روحيا عميقا جذب انتباه وذاكرة وأقلام كتاب المدن، فقاموا على تدوينه تارة، وحفظه تارة أخرى.
وليس معنى أن هناك حاجز لا سبيل لاختراقه بين هذه الثقافات، وإنما التقت كل هذه التيارات الثلاثة لقاء الصراع والتفاعل والاندماج، وأثمرت في النهاية أدبا جزائريا قبل كل شيء، قبل أن يكون فرنسيا وإن نطق بالفرنسية، وقبل أن يكون عربيا أو بربريا، وإن نسج أحداثه وأشخاصه من حياة البربر والعرب، وإنما توحدت عناصر اللغة والفكر والبيئة والتاريخ والإنسان في صورة شديدة التعقيد، والثراء هي صورة الأدب الجزائري الحديث، الذي تعددت منابعه وأصوله وجذوره، ولكنها تعود وتلتقي ضمن تيار أشمل من كل التيارات المجتمعة، هو: تيار الثورة الجزائرية العارمة، فهذه الثورة هي بوتقة التي انصهرت فيها الروح وتطهرت في اتونها الوجدان، وتبلور بدمائها الفكر.
