Topic 1
Section outline
-
المحاضرة الأولى مدخل إلى النقد العربي الحديث 01
المفهوم الحديث للنقد العربي
-تمهيد :
كثرت الدراسات والأبحاث عن مفهوم النقد ووظيفته,ومهمة النقد وصفاته,وصبت جميعها في معين واحد ومفهوم طبيعة العمل الأدبي وتطوره,ومعالجة الآثار الأدبية علاجا منظما يكشف عن أفكارها وقيمها,ومن الواضح أن النقد الحديث يساعد القارئ على تفسير الأثر الأدبي ووصله جماليا بالموروث القديم والوافد الجديد لتحديد ملامحه.
1- النقد قديما:
تعددت معاني النقد في اللغة .. فمنها :
تمييز الدراهم لتبين حاله جودتها من رداءتها فيقال : نقدت الدراهم .ومنها نقد الجوز بالإصبع لاختياره وتعرف حاله .
زمنها ضرب الطائر بمنقاره في الفخ ليكشف عما وراءه ومنها العيب والتجريح كما في حديث أبي الدرداء :رضي الله عنه " إذا نقدت الناس نقدوك , وإن تركتهم تركوك". أي إذا عبتهم عابوك .
المفهوم الاصطلاحي للنقد: للنقد عدة تعريفات منها .. الكشف عن جوانب النضج الفني في النتاج الأدبي وتميزها مما سواها عن طريق الشرح والتعليل , ومن ثم يأتي بعد دلك الحكم العام عليها .
ويتضح من ما سبق إن للنقد عمليتين أساسيتان هما التفسير والتقويم. فبالتفسير يقف القارئ على ما في النص كم قيم جماليه مثل :الصور والإيقاع والموسيقى ويوضح العلاقات الفنية والمعنوية بين عناصر النقد.
أما التقويم .. يستطيع القارئ مستعينا بالممارسة الأدبية والخبرة النقدية إن يصدر أحكاما على النصوص من حيث الجودة أو الرداءة أو بقوة التأثير العاطفي أو ضعفه. كما أن بعض النقاد يعدون النقد عمليه إبداع , فهو يحتاج لموهيه تصقل بالتدريب والإكثار من قراءة النصوص الأدبية
2- مراحل تطور النقد الأدبي ..
مر النقد الأدبي بمراحل متعددة , بداء بالنقد البسيط الذي يصدر بصورة عفويه شفوية دون تدوين أو ضوابط منهجيه واضحة ثم انتقل لمرحله التدوين التي أسهمت في تطوير ورقي الكثير من العلوم والفنون والمعارف ,ثم انتهى إلى نقد منهجي يقوم على قواعد وأسس , مثلما يقوم على بيان الأسباب التي قادت للنتائج التي يتضمنها التفسير أو التقويم.
واستعمال النقد في مجال الأدب قديم قدم الكتب النقدية العربية التي ارتبطت باسمه، وهو كذلك لا يتعلق بالنثر أو الشعر فقط، ولكن يطال كل منهما بالتمييز والدراسة " والنقد في الأدب عبارة قديمة ذكرها الزمخشري ت 538ه وكانت معروفة قبل عصره بقرنين من الزمان، فقدامة ألف نقد الشعر ت 337ه وورد لفظ النقد والنقاد في كتاب الموازنة للآمدي ت 371ه كما أن ابن رشيق أسمى كتابه العمدة في صناعة الشعر ونقده ت 463ه وغير ذلك..."[1]
3- المفهوم الحديث للنقد الأدبي:
انطلق كل ناقد وكل دارس من قناعاته الفكرية والفنية التي تشكل وجهة نظره لإعطاء النقد مفهوما يتلاءم والاتجاه الذي ينتمي إليه فهناك من يصف العملية النقدية مثل ت.س.البيوت أنها: " التعليق على الأعمال الأدبية وعرضها عن طريق الكلمة المكتوبة) ([2]
و هناك من يرى العملية النقدية الأدبية تفسير لجمال العمل الأدبي,وتوضيح وإبراز لطريقة الأديب في الإعراب عن أفكاره وفي هذا الصدد يقول عبد الله الركيبي: "فإذا كنت مهمة الأديب التعبير عن إحساسه بما حوله,والواقع الذي يصوره بحيث يعكس ذالك في صورة جميلة ومؤثرة أو بمعنى آخر,إذا كان الأديب يشكل المادة الأولى الأساسية ليجعل منها عملا مؤثرا قادر على نقل الإحساس بالجمال من جهة وإبراز القيم الإنسانية من جهة أخرى,إذا كانت هذه مهمة الأديب المبدع,فإن مهمة الناقد هي تفسير هذا الجمال,إظهار طريقة الأديب في البحث عن الخير أو نقد الحياة وما فيها من زيف أو ظلم أو شر" ([3])
ومن خلال هذا الوصف يتضح جليا أن مهمة المبدع تكمن في تصوير العالم بشقيه الجمالي والإنساني,أما مهمة الناقد فتكمن في تفسير هذا العمل وشرح صوره الخيرة والشريرة وبهذا يظهر وبهذا يظهر دور الناقد كوسيط بين الأديب والقارئ,وبالتالي يمكن أن نقول بأن مهمة الناقد تظهر في "التوسط بين الشاعر (الأديب) والقارئ إنه يخدمهما بما لا تحتمل معه كلمة الخدمة من تقليل الشأن,إنه يصل بين طرفين,ويعقد روابط التفاهم والألفة والحب,وليس هذا بالتقليل,لأنه يكون وإياهم مادة المجتمع مظهرا من مظاهر الحضارة ووسيلة من وسائل الحياة" ([4])
4-صفات الناقد الأدبي:
4-1- صفاته عند النقاد العرب القدامى:
طالب النقاد القدماء النقاد بمنظومة معرفية متكاملة,حتى يكون النقد مؤهلا,ليتعرف على الأدب ويفهمه قبل الحكم عليه,ويقول ابن سلام الجمحي في هذا الصدد: "والشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات" ([5]) ويقول أيضا:"وقال قائل : إذا سمعت أنا بالشعر واستحسنته فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك ,فقال له: إذا أخذت أنت درهما فاستحسنته فقال لك الصراف: إنه رديء هل ينفعك استحسانك له."([6])
بدأ العرب نقدهم بعبارات نقدية ذاتية ورصدوه في جمل مركزة تصف شاعرا أوناقدا أو قصيدة أو خطبة أو نحو ذالك مما قد يومئ إلى فكرة ما, فقيل على سبيل المثال في وصف ميمية علقمة بن عبدة "هل ماعملت وما استودعت مكتوم) أنها سمط الدهر,وعندما سمعوا عينية أبي ذؤيب الهذلي (أمن المنوم وريبها يتوجع) قالوا إنها أروع شعر أنشد في الرثاء.
وفي قول منصور النمري عن السيب:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع.
أجمع النقاد بعلم الشعر على أنه لم يقل أحسن من هذا القول,وقد يتجاوزون هذا إلى عرض خاطف لخصائص بعض الكلمات ومآخذ في العروض أو المعنى,إلا أن هذا كله لا يتحول إلى نظرية نقدية ويظل يحمل طابع الفطرة لزمن متأخر حتى أيام الأصمعي وخلف الأحمر أبي عبيدة معمر بن المثنى.وفي كتاب *طبقات الشعراء* ظهرت بعض الومضات الذاتية الخاطفة. لكن بعده بدأنا نرى إشارات واعية إلى تعليل الذوق الأدبي, ومن ذالك على سبيل المثال: المزرباني في كتابه *الموشح*والجرجاني في كتابه *الوساطة بين المتنبي وخصومه ثم الآمدي في *الموازنة بين الطائيين*
وهكذا بين الذاتية والموضوعية,نرى في واقع الأمر من العسير الوقوف على نقد موضوعي خالص حتى في أزهى عصور الأدب, لسبب جوهري هو أن الدوافع الإنسانية –التي تكون دائما غامضة معقدة ووراءها تحيزات مختلفة كتلك التي تتعصب للطبقة الاجتماعية أو للمبدأ الجمالي أو الاتجاه الفكري-تمتد أصولها إلى الذات والطبيعة جميعا. ([7])
يعتبر قدامه بن جعفر من النقاد المدققين في القرن الثالث من خلال كتابه المشهور *نقد الشعر* إذ يقول في عرضه للنمط العام لكل معنى من معاني الشعر-كالمدح والهجاء والرثاء-أنه لابد من أن يكون المعنى مواجها للغرض المقصود غير عادل عن الأمر المطلوب.([8])
وفي حديثه عن معاني الشعر فقرر أنها شائعة وقائمة وهي بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة,تماما مثل الخشب للنجارة و الفضة للصياغة.([9])
وعلى هذا يجب على الشاعر أن يكون حذرا في وضع معانيه لتجويد الصورة, وذالك ان يحتل على المعاني بشتى الحيل هذا من جهة وأما من جهة أخرى على الناقد هو الآخر ألا يفوته ذالك التفاعل بين النفس والطبيعة من حيث إن الأدب يشكل تجربة ميدانها الأول خارج الذات.
4-2- صفاته عند النقاد المحدثين:
وكما سبق الحديث عن صفات الناقد في القديم و التي حددها النقاد العرب بأن عليه الإطلاع على الكثير من العلوم العربية من نحو وصرف ,حفظ القرءان الكريم والأحاديث النبوية الشريفة إضافة إلى الناقد هو الآخر ألا معرفة وقائع العرب والأمثال,وعلم العروض هذا الذي يختص به الناظم دون الناثر حتى يتمكن من معرفة ميزان الشعر.
إن هذه الصفات هي التي وقف عندها النقاد المحدثون وفضلا عن هذه المعارف والثقافات عليه أن يحيط بأسرار اللغة العربية آدابها وأن يكون عارفا تطورها وتاريخها,كما عليه أن يحيط بالمدارس الأدبية ومذاهبها وأسسها اتجاهاتها ومظاهر تأثرها ببعضها.
وإذا كان الناقد مطالبا بهذه الخلفية الثقافية الشاملة فلابد أن تتوافر فيه مجموعة من القدرات الفطرية التي دونها لا يستطيع أن يتذوق الأدب وأن يدرك أسرار التعبير,أن يحس بما لا يحس به غيره وهذه مجموعة القدرات الفطرية التي لابد للناقد أن يتجلى بها هي ما يطلق عليه الذوق الأدبي.
-الذوق الأدبي:
مما لا شك فيه أن استخدام العلم لإنماء البصيرة الناقدة أمر بالغ الأهمية غير أن الإفراط فيه يطمس الحقيقة الأدبية من ناحية ويفتح من ناحية أخرى باب النقد لمن يدعون إلى أن يصبح للنقد دقة العلم اليقيني وهم لا يعرفون تماما طريق النقد,وإلا فيم تفسير ظاهرة شيوع غير المختصين بين النقاد؟ وبم نفسر ظاهرة الخلط الشديد بين تاريخ الأدب ونقده,وبين نقد الأدب والكاتبة عنه,وبين الكتابة عن الأدب ورصد قيمه الجمالية والاقتصادية؟
لا يمكننا إطلاقا أن ننكر الإضافات المتميزة التي جاء بها العلم للنقد الأدبي لكن ينبغي في الوقت نفسه أن نسلم بأن العلوم كلها ليست بذات أثر مباشر في النقد,لأنه لو طغت العلوم على العملية الإبداعية لكانت النتيجة في أخر المطاف عملية بيولوجية أو غيرها من العمليات التي تحتاج فقط إلى التفسيرات العلمية. إننا لا نريد ان نقول بعدم جدوى العلم في النقد, لأن هناك شيئا آخر يحتاج إليه الناقد لفهم طبيعة العمل الأدبي من حيث هو إبداع وهوالذوق الأدبي النقدي المتصل اتصالا وثيقا بالجانب الوجداني.
خلاصة:
يلعب الناقد دورا أساسيا ومهما في توسطه بين المبدع والقارئ,لأنه يحاول التحليل والتفسير لبسط العمل الأدبي بين يدي القارئ,وهكذا دوره وعمله جليل في قراءة أفكار الأديب ومحاولة إيصالها إلى القارئ بوسائله التي يراها مناسبة في القراءة والتحليل والتفسير.وكما هو واضح أن الناقد الحقيقي تتوفر فيه صفات فكرية وفنية حتى يتمكن من القيام بمهمته على أكمل وجه
العلاقة بين النقد والأدب
1-الأدب والنقد:
يعد موضوع علاقة الأدب بالنقد من أكثر المواضيع معالجة وتمحيصا ودراسة, وقد شكل جدلا في أوساط الدارسين والباحثين , فكان محل اهتمام الأبحاث النظرية والتطبيقية لأن هذان الطرفان مرتبطان ارتباطا وثيقا فوجود أحدهما شرط لوجود الآخر فلا وجود للنقد بدون وجود نص أدبي.
وقد أثبتت الدراسات السابقة أن الأدب أسبق زمنيا من النقد ,والأدب حالة عاطفية مرتبطة بالجانب الوجداني, ولكن ما يجب أن نعرفه أن الأدب لا يمكن أن يتطور ويرقى إلى المرحلة التي وصل إليها حاليا بدون قلم الناقد, فهذا أمر بات من البديهيات بمعزل عن مستوى النص الأدبي وكذالك بمعزل عن مستوى النقد المواكب له.
يمكن وصف العلاقة بين الأدب والنقد بأنها علاقة حية قديمة قدم ظهور هذين النشاطين الإبداعيين, وفي هذا الإطار يغدو من أهم الأمور أن نميز يسن النظر إلى الأدب كنظام غير خاضع لاعتبارات الزمن وبين التي تراه في الأصل على أنه سلسلة من الأعمال المنظمة حسب شق تاريخي,وعلى أنه أجزاء متممة للعملية التاريخية, ثم هناك تمييز أبعد بين دراسة المبادئ والمعايير الأدبية ودراسة أعمال أدبية معينة. ([10])
علاقتهما جعلت الواحد يستوعب الآخر استيعابا شاملا بحيث لا يمكن فهم نظرية الأدب بمعزل عن النقد أو التاريخ,أو فهم النقد دون نظرية الأدب ولعل من أصناف القول أن علاقة النقد بالأدب ليست علاقة تبعية فحسب,إذا إن النقد هو الذي يبلور اتجاهات يعينها ويعيد تشكيل عناصر العمل الأدبي ويسعى إلى توجيه المسار الإبداعي في مرحلة من مراحل مسيرة الأدب إنما يتجاوز علاقة الالتصاق والتبعية تلك ليرتاد ميادين جديدة يأخذ فيها دورا تبشيريا ورياديا بما يدعو إليه وينظر له ويتنبأ به,إذا كان النقد يستمد من النصوص الأدبية قواعده ومعاييره وأصوله فإنه سرعان ما يطور تلك الأعراف, يعدل منها ويبصر المبدع بقيم وتقاليد من شأنها أن تثري تجاربه وتعمق جدل العلاقة فيما بين الأدب والنقد تأثرا وتأثيرا,أخذ و عطاء. ([11])
يمكن القول أن علاقة النقد بالأدب كعلاقة الذات الإنسانية بالعالم الكوني فلا شك أن النظر إلى الأدب ونصوصه يفضي إلى حكم عام غير متأكد منه نظريا وميدانيا, فمن ينتج الأدب لا ينتج المعنى فحسب, بل ينتج شكلا ما أيضا وينتج عمله في ضوء علاقته بنصوص سابقة عليه .([12]) وغايته أن يكون مختلفا ومجددا, والقراء المهووسون بالأدب لا يبحثون عن المعنى فحسب بل عن جدة طريقة التعبير عنه فنيا أيضا, والنص الأدبي يحتاج إلى الناقد كي يقول للناس أسرار هذه الجدة, لا المعنى , كما أن الناقد عليه أن يفكر في السبب الذي أعطيت بموجبه لهذا النص معاني محددة دون أخرى.
من خلال هذا لا يفوتنا أن نستنتج بأن العلاقة بينهما علاقة تكاملية وتدا خلية أو بالأحرى هي علاقة مفاهمة وتشابك بمعنى أن الناقد الحقيقي هو الذي يفهم المؤلف, ولا يعتدي على حق الأديب,فالأمر همنا بين الأديب والناقد , الأديب ينتج نصوصا وهذه النصوص تستدعي ناقدا يلقي الضوء على مواطن الجمال فيها ومواطن الضعف عن تحليل التحليل والتعليل والتفسير.
وإذا كان الأديب والناقد يشتركان في الحساسية المرهفة والعمق الوجداني لكنها يجب أن يختلفا في النظرة إلى الأشياء والأشخاص,فليس من المطلوب أن يدلي الكاتب بمقولات نقدية في سياقه الإبداعي قد نجد بعض اللمحات النقدية في السرد الروائي مثلا, وهذه لن تكون مقنعة إلا إذا أفلح الروائي في تقديمها في السرد الروائي مثلا, وهذه لن تكون مقنعة يبعد عنها الإفتعال الثقافي, فيغرق عمله ويخلخله بالأفكار المجردة التي لن تسهم في النهوض بالبناء الروائي إلا إذا أتت عن طريق التجسيد والفن.[13]
النقد العربي الحديث:
كان للانفتاح على جديد العالم الغربي الأثر الكبير على النقد العربي الحديث، وذلك من خلال اطلاعه على آخر ما وصل إليه النقد في بيئته، " لقد خضع النقد في انجلترا في عصر النهضة the renaissance للاتجاهات النقدية السائدة في أوربا، وبخاصة في إيطاليا في القرنين الرابع عشر و الخامس عشر، وإننا نعني بعصر النهضة ذلك البعث الجديد للتراث الفكري الذي ساد اليونان وإيطاليا قديما".[14]
النقد الغربي في العصر الحديث
1- جمود الأدب في أوروبا:
كان جمود الأدب جزءا من الجمود المطلق في ظل الكنيسة حيث كان العلم وبالأصح القراءة والكتابة منحصرا في رجال الدين, وأسوأ من ذالك كان بلغة ميتة * اللاتينية * وهي لغة معقدة الأسلوب والقواعد في حين كانت أوروبا تتكلم لهجات كثيرة متباينة.
أما المعايير الفنية للأدب والبلاغة والشعر فكلها كانت مصفدة بآراء أرسطو ونظرياته ,وغاية العبقرية والإبداع والتجديد أن يستنبط الأديب أو الناقد من كلام أرسطو شيئا أو يفرغ عليه آخر, أما الخروج فهو المحال فالملحمة- وهي التي ينعى الأوروبيون على أدبنا العربي خلوه منها ظلت خلال العصور الوسطى والعصر الحديث محكومة بتلك القواعد المتزمتة والتقاليد الثابتة – ومنها ضرورة الاستهلال بالتضرع إلى أرباب الشعر مثل : كليوبي فالشاعر الإغريقي هوميروس إليها في ملحقته ,ونجد دانتي يتضرع إلى أبولو ( إله الشعر) في الكوميديا, وكذالك تضرع ميلتون إلى اورانيا ( ربة علم الفلك) في ملحمته الفردوس المفقود.
وفي الشعر نجد التقيد المطلق بما ورثه القدماء في المضمون والشكل ذالك الالتزام بالمقاطع وعدد الأبيات في كل مقطع وعدد التفعيلات - أيضا – أما النقد فكان ما قرره أرسطو هو المعيار الدقيق , وكانت المحاكمات الأدبية تتخذ كلامه دستورا ’ وهكذا لم تكن الكلاسيكية إلا تعبيرا واضحا عن اعتقاد أوروبا الكمال المطلق لعمالقة الفكر الإغريقي , وعلى رأسهم أرسطو.
ملاحظة:
تأسس النقد الحديث ونظرياته على أسس فلسفية عامة, لذا نرى النقاد المحدثون يرجعون بنقدهم إلى أصول فلسفية حتى يتمكنوا من دراسة المذاهب الأدبية وتطبيقها.
وقد نقلت العلوم التي ترجمها العرب إلى العالم الغربي عن اللغة العربية أثناء الحضارة التي أقامتها في الأندلس عصر ازدهار العرب والمسلمين في مجال العلوم والفلسفة، ولكن لم يستمر الأمر بهم حتى تحولت أحلامهم في القيام بحضارة يكون مركزها الخلافة الإسلامية أدى إليها التحالف ضد بعضهم البعض لصالح العدو المسيحي، واستحال كل شيء في الأندلس إلى الصليبيين وهرب من تبقى من المسلمين ليحافظوا على حياتهم، فانتهت الحضارة العلمية قبل أن تنجلي معالمها، وبقيت مجرد حبر على ورق ضاعت معظم صفحاته.
النقد الغربي بداياته كانت مشتتة، وكان التركيز في البداية منصبا على الفنية ومدى ملائمة الموضوع وكذا البعد عن الغموض والإبهام قدر المستطاع، هذه الملامح لم تتضح رغم محاولات بعض النقاد في تلك الفترة كان الحديث عن محاور مهمة كالبلاغة والزخرفة الفنية...فاهتم توماس إليوث بموضوع البلاغة مع شيشرون، وكانت أعمال شيشرون وجويل ضد شيشرون، وكانت أعمال توماس ولسون حول فن البلاغة وكذلك روجر إشكام إذ تعرض لأساليب الكتابة بالإضافة إلى الأساليب التربوية".[15] كما زادت أهمية الاهتمام بالأساتذة والصحفيين، مما انعكس على الأدب، فظهر الشعر الاجتماعي والسياسي وهي أغراض جديدة اقتضتها مجموعة من الظروف تتعلق معظمها بالحياة التي أصبح يعيشها العالم العربي على إثر الحركات الاستعمارية وصور الاضطهاد والظلم، وكلها يقتضي للتعامل معها سبل جديدة في النقد تتعدى مسألة الفنية والجمالية، وإلى جانب هذه الأغراض الشعرية ظهرت فنون نثرية جديدة في مقدمتها القصة وبعدها الرواية..
*مذاهب الشعراء العرب: تعددت مذاهب الشعراء في شعرهم:
1- فريق أخذوا يحاكون القدماء في فصاحتهم وفي منهجهم في نظم القصيدة, مع التأثر بالعوامل
الجديدة التي أثرت في الأدب: شعره ونثره, ومن هؤلاء البارودي, وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم ,وسواهم وقد أطلق على هؤلاء اسم التابعيون وكذالك المحافظون, الكلاسيكيون. لأنه نهج القدامى,وأصبح شعرهم قديم أو كالقديم.
2- وفريق دعوا إلى التجديد والعدول عن نهج القدامى حتى لا يبقى بدون حياة, كما دعوا إلى
الاستلهام من الموروث المعنوي المتمثل في الفن والفلسفة والدين وكل ما يمكن أن يواكب التجديد في الحياة والحضارة والثقافة , أراد دعاة هذا المذهب أن يكون شعرهم شعر وجدان, شعرا يكون مرآة عاكسة لشخصية الشاعر, وقد أطلق على هؤلاء دعة المذهب الرومنسي, منهم: عبد القادر المازني, عباس محمود العقاد, إبراهيم شكري، أحمد زكي أبو شادي, وميخائيل نعيمة، وغيرهم من شعراء مدرسة الديوان, وأبولو والمهجر.
3- أما الفريق الثالث فقد كان واقعيا أكثر ميالا إلى القيم الإنسانية والوطنية والقومية، وأراد معالجة
المآسي التي عانت منها الأمة العربية في وجدود الاستعمار، هذا الفريق دعا إلى ضرورة الوعي بخطورة الوضع السائد من جمود وفقر ومذلة وجهل وغيرها من أمراض المجتمع العربي وقد شمي هذا المذهب بالمذهب الواقعي، ومن الشعراء الواقعيين العرب: خليل الحاوي، سميح القاسم، وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم ممن حملوا لواء الثورة.
[1] محمد التونجي، المعجم المفصل في الأدب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1999، ص764.
[3] عبد الله الركيبي، تطور النثر الجزائري الحديث، الدار العربية للكتاب، ط1، 1978، ص239.
[4] علي جواد الطاهر، مقدسة في النقد الأدبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1 ، 1979، ص346.
[5] ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، دار الكتب العلمية، 2001، ص6.
[6] المصدر نفسه ،ص 07
[7] أحمد كمال زكي، النقد الأدبي الحديث، أصوله واتجاهاته، دار النهضة العربية، بيروت، ط(2) 1981، ص 28 .
[8] قدامة بن جعفر، نقد الشعر، مطبعة الخانجي، مصر، 1963، ص 61.
[11] راجع لصالح هويدي، النقد الأدبي الحديث، قضاياه ومناهجه، دار النهضة للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط (6) 2005 .
[12] رينيه ويلك, أوستن وارين , تر: محي الدين صبحي, مرا:حسام الخطيب , منشورات المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية
[13] ماجدة حمودة,علاقة النقد بالإبداع الأدبي,منشورات الثقافة,دمشق,1997
[14] فائق منى إسحاق، مذاهب النقد ونظرياته في انجلترا قديما وحديثا، ج1، مكتبة الإنجلو مصرية القاهرة، ص40.
[15] فائق متى إسحاق، مذاهب النقد ونطرياته في انجلترا قديما وحديثا، ص82.
