1- مفهوم النقد الثقافي وعلاقته بالدراسات الثقافية :
يعود ظهور النقد الثقافي إلى القرن الثامن عشر، لكن البوادر الحقيقية كانت مع " مقالة شهيرة للمفكّر الألماني اليهودي تيودور أدورنوTheodor W. Adorno، تعود إلى 1949 عنوانها " النقد الثقافي والمجتمع" والمقالة هجوم على ذلك اللون من النشاط الذي يربطه الكاتب بالثقافة السائدة في القرن التاسع عشر بوصفه نقدا بورجوازيا يمثل مسلّمات الثقافة السائدة" 1[1][1] [1] [1] [1] [1] حيث ينتقد أدورنو هذا النقد الذي يوجه سهامه نحو الممارسات السياسية الخاطئة في داخل الثقافة السائدة ويعدّه نقدا بورجوازيّا، يخدم الطبقة المسيطرة التي تمتلك وسائل الهيمنة لتمرير وترسيخ ثقافتها .
فقد كان " نقد أدورنو الذي شاركه فيه عديد من المفكّرين والنقّاد ذوي الانتماء اليهودي في المقام الأول على الثقافة الغربيّة في ألمانيا بوجه خاصّ، بوصفها متسامحة مع النزوع التآمري ضد الأقليّات ، وذوي الاتجاهات الثقافية المختلفة من جماعات وأفراد. في مفتتح مقالته يشير أدورنو إلى توجّه النقد الثقافي إلى نقد الحضارة الغربية" 2[2]،[2] فقد وجه سهام النقد إلى الثقافة الغربية في عمومها ، وإن خصّبه الحضارة الألمانية لأنها متسامحة مع النزعات التآمرية ضد الأقليات ، وضد أصحاب الثقافات المختلفة منطلقا مما عاناه اليهود من إبادة في المجتمع الألماني
ومن جانب آخر تعدّ الدراسة التي قدّمها " يورغن هابرماسJürgen Habermasفي مدرسة فرانكفورت في النصف الأول من القرن العشرين في كتاب بعنوان " المحافظون الجدد : النقد الثقافي والحوار التاريخي" ذلك أنّ هابرماس لم يعن بتعريف المفهوم واكتفى بدلالة شائعة كتلك التي تضمّنتها مقالة أدورنو، كما أنّ من الأعمال التي تتكئ على دلالة عامّة وغير محدّدة للنقد الثقافي دراسة مهمة للمؤرخ هايدن وايت Hayden Whiteبعنوان : " بلاغيّات الخطاب: مقالات في النقد الثقافي (1978) " يشير فيه إلى أنّ الخطابات الموظفّة في العلوم الإنسانيّة تقوم على بلاغيّات لا تختلف كثيرا عمّا يعتمد عليه الأدب. وواضح أنّه اعتبر تحليله لذلك التداخل الخطابي نوعا من النقد الثقافي" 3[3][3] [3]، فهذه الأعمال المقدمة كانت تكملة لما قاله أدورنو دون إعطاء مفهوم أو صياغة للنقد الثقافي ، وحسب المفهوم فالنقد الثقافي في بلاغته وتحليلاته لا يختلف عمّا تقوم به المناهج الأدبية .
وقد بدأت معالم النقد الثقافي تتضح أكثر ،ويتبلور مفهومه وتُصاغ قواعده على يد فنسنت. ب. ليتش Vincent. B. Leitchالذي كان أول المنظرين في كتابه النقد الأدبي الأمريكي1988 ليستوعب بهذا المصطلح متغيرات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية و " تتمثل مهمته الأساسية في تمكين النقد المعاصر من الخروج من قوقعة الشكلانية و النقد الشكلاني الذي حصر الممارسات النقدية داخل إطار الأدب ، ومن هذا حتى يتمكن من تناول مختلف أوجه الثقافة ولاسيما التي أهملها النقد الأدبي " 4[4] [4]، أيّ أنّ النقد الثقافي جاء متماشيا مع المتغيرات وتجاوز الأدب المؤسساتي وخاض في تجربة نقديّة جديدة انفتح مجالها على فنون أخرى غالبا ما كانت خارج العمليّة النقدية وهيّ الثقافة الهامشيّة .
ولقد بنى النقد الثقافي صرحه على مرتكزات عديد ة منها ؛الدراسات الثقافية والتاريخانية الجديدة ( Ne [5]w historicisim)،وما بعد الكولونيالية والنقد النسوي. وكانت هذه المشارب المحضن الأم للخلفيات المعرفيّة له ،وبذلك فتح النقد الثقافي آليّاته على ما وراء النص مكتشفا السيّاقات المختلفة التي شكّلت بُناه .
من المتفق عليه بين الباحثين أنّ للدراسات الثقافية أثرها البالغ في تأسيس مفاهيم النقد الثقافي ،و كانت بداية ذلك من أرضيّة فلسفيّة لمدرسة فرانكفورت ،وما تمثَّله ممثلوها من توجّه نقدي، يرمي لرصد مختلف الأعراض المُرضيّة التي عرفتها الحضارة الغربية الرأسمالية على كل المستويات ، والبرهنة على " عقلانية المشروع الثقافي الغربي في جوانبه الثلاثة (كنتاج نظري علمي ، وكنظم اجتماعيّة تاريخيّة ، وكنسق قيميّ سلوكيّ ، تؤلّف كلّها إيديولوجية شمولية تهدف إلى تبرير التسلّط وجعله عقيدة " 5[5].ثم تبلورت مفاهيم الدراسات الثقافية أكثر ، وتطورت عندما تأسّس "مركز 'برمنجهام" للدراسات الثقافية المعاصرة ( bermingham center for contemporary culturel studies) على يد Hogogart في عام 1964 حيث نشر المركز سنة 1971 صحيفة أوراق عمل في الدراسات الثقافية (working papers in culture studies) ) والتي تناولت وسائل الإعلام ( Media )، والثقافة الشعبية populaire culture ) والثقافات الدنيا ( Sub culture ) والمسائل الأيديولوجية (Idiological matters ) والأدب(Literature) وعلم العلامات ( Semiotics ) والمسائل المرتبطة بالجنوسة ( Gender related issues ) والحركات الاجتماعية ( Social movents ) والحياة اليومية ( Evreyday life ) وموضوعات أخرى متنوعة6 [6] [6].[6]
وتناولت هذه المدرسة في طرحها جانبا من ثقافة لطالما غُيّبت عن الدراسات وأولت أهميّة لها من خلال تناولها لمواضيع كالأفلام البوليسية والرقص والغناء والثقافة الشعبية من الحكايا ،والأساطير ،والأمثال الشعبية ، والثقافة الدنيا والمسائل الإيديولوجية ، والأدب وعلم العلامات ، ومسائل الجنوسة وكل ما تعلق بالحياة اليومية .
ونظرا لما قدمه هؤلاء العلماء وغيرهم تقدّمت الدراسات الثقافيّة العامّة بشكل ملحوظ، وتبلورت عنها الدراسات الثقافيّة الخاصّة بالأدب، و وصلت هذه الأخيرة إلى أكمل وجوه التمثل من خلال أشهر كتب ريموند وليامزRaymond Williams( الثقافة والمجتمع) الذي صدر عام 1958، وهو يقع ضمن تحولات كبيرة في الدرس الأدبي والثقافي وكذا نتاج نورثروب فرايNorthrop Frye ، ورولان بارتRoland Barthes، و جاك لاكانJacques Lacan، ورومان ياكبسونRoman Jakobson، زيادة على ما قدمته البريطانية "ماري دوجلاسMary Douglas".
فمؤلفات هؤلاء التي كانت في هذا المجال كان هدفها إلقاء الضوء على ثقافة طالما ركنت في مناطق مظلمة ،و وتناولتها بالدراسة والتحليل وفق منهجية قرائية جديدة لعديد النصوص الثقافية الشعبية التي ذاع صيتها من مثل الصحف ،والمجلات ،والموسيقى، والروايات الشعبية ،ومع هذه الدراسات تمت الانطلاقة الفعلية نحو كسر مركزية النص الأدبي الرسمي أولا وبداية لإحلال مفهوم النص الثقافي ثانيا ،الذي كانت وجهته للكتابات الهامشية التي تناولها النقاد بالبحث والدراسة ، مثل كتابات الطبقة العاملة، وكتابات الملونين، وكتابات المرأة وكل ما تنتجه الطبقة المهمشة .
وقد كان لهذه الدراسات تأثير كبير، تمثل في تقويض الحدود القائمة في الحقول المعرفية المختلفة، وإذابة الفواصل الموجودة إذ اعتمدت الدراسات الثقافية الخاصة بالأدب على قضايا ونظريات ومناهج مستقاة من الدراسات الأدبية والتاريخ وعلم الاجتماع، ودراسات الاتصال والسينما، وهذا بدوره افقد الأدب امتيازه كوعاء للقيم الكونية العامة، وأدى أيضا إلى قراءة النصوص الأدبية إلى جانب أنماط وأنواع الكتابة الأخرى.
فالدراسات الثقافية جاءت بمهمة مختلفة نظرا لطبيعتها التي تقوم على تقويض الحدود والفواصل القائمة بين الحقول المعرفية ، حينما استعانت بنظريات من مختلف المجالات وكسر ت مركزية النص الأدبي ، و أخذت بما يتحقق فيه وما ينكشف عنه من أنظمة ثقافية ، وسنوجز خصائص الدراسات الثقافية في النقاط التالية 7[7][7] [7]:
-تهدف الدراسات الثقافية إلى تناول موضوعات تتعلق بالممارسات الثقافية وعلاقتها بالسلطة، وتهدف من ذلك إلى اختيار مدى تأثير تلك العلاقات على شكل الممارسات الثقافية.
- على الرغم من كونها كينونة منفصلة عن السياق الاجتماعي والسياسي فإن الدراسات الثقافية ليست مجرد دراسة للثقافة فالهدف الرئيسي لها هو فهم الثقافة بجميع أشكالها المركبة والمعقدة وتحليل السياق الاجتماعي والسياسي في إطار ماهوّ جليّ في حد ذاته .
- تهدف الدراسات الثقافية لأن تكون التزاما فكريا وبراغماتيا .
- تلتزم الدراسات الثقافية بالارتقاء بأخلاقيات المجتمع الحديث وأيضا بالخط الجوهري للعمل السياسي ...و تهدف إلى فهم شكل الهيمنة في كل مكان و تغييره خاصة في المجتمعات الصناعيّة.
فهدف الدراسات الثقافيّة هو الوقوف على موضوعات لها علاقة بالسلطة ومحاولة فهم العلاقة القائمة بينهما ، والدراسات الثقافيّة لا تأخذ بالثقافة كونها موضوعا للدراسة وإنما هدفها فهم هذه الثقافة في شكليها البسيط والمعقد، والوقوف على السيّاقات المنتجة لهذا الخطاب ، و من خلال ذلك تهدف للوقوف على السياسة المهيمنة وتقويضها للارتقاء بالفرد والمجتمع .
لقد كانت الدراسات الثقافيّة إحدى الركائز التي بنى عليها النقد الثقافي أسسه، وتشبع من مخزونها الثقافي المعرفي ، واعتمد عليها في استراتيجيته النقدية لقراءة الخطاب.(الاستيعاب والفهم )