محاضرات في مقياس الأدب القديم والنقد الجديدنظر

شروحاتغادر

2- النقد الثقافي في الحقل النقدي العربي

تعود الريادة في هذا المجال للباحث عبد الله الغذّامي في كتابه : النقد الثقافي " قراءة في الأنساق الثقافية العربية"، وإن سبقته دراسات واجتهادات كانت اللبنة الأساسية لظهور هذا المنجز والتفرّد به تنظيرا وتطبيقا ،فلقد تجاوز ما عهده من الاشتغال على الجانب الأدبي البلاغي والجمالي الذي أخذله متكأ وجانبا هامّا في البحوث .

يذهب الغذّامي إلى أن النقد الثقافي يسعى إلى الاشتغال على النصّ، و هو وسيلة يتمّ من خلالها كشف ما في النصّ من أنساق ثقافية لاعتباره حادثة ثقافيّة تضمر داخلها ما حواه السيّاق، والاشتغال عليه من خلال النسق الذي يتحقق عبر وظيفته بوصفه نشاطا وليس مجالا معرفيا قائما بذاته ، وله مهمّة متداخلة ومتعدّدة، وأعطاه السلطة في تحليل الخطابات واستثمار المعطيات النظرية والمنهجية التي يغرف بها من حقول معرفيّة متداخلة ، ويعرّفه بأنّه " فرع من فروع النقد النصوصي العام ، ومن ثَمَّ فهو أحد علوم اللغة وحقول " الألسُنية" معنى بنقد الأنساق المضمرة والتي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيّغه ، ما هوّ غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء من حيث دور كل منها في حساب المستهلك الثقافي الجمعي ، ولذا فهو بهذا معنيّلا بكشف الجمالي كما هو شأن النقد الأدبي وإنّما همّه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغي /الجمالي

فالنقد الثقافي أحد علوم اللغة ، هدفه تحليل النصوص الأدبية والوقوف على الأنساق الثقافيّة المضمرة والمخاتلة القادرة على التواري والتمنّع خلف البُنى اللغوية، المتسرّبة بطرق لا واعيّة إلى وعي المؤلف ، ومن ثَمَّ إلى الخطابات ،و يتمّ الحفر عنها و الوقوف على معانيها بآليات منهجيّة متعدّدة يستعين بها النقد الثقافي في ذلك .

أمّاجاسم الموسوي فيرى أن هناك وضعا جديدا يتطلب إعادة القراءة والتركيز على الجانب الثقافي منه و عليه صاغ استفهامه "هل يمكن الحديث عن النقد الثقافي بصفته فرع من فروع المعرفة ؟ لا يقبل النقّاد الثقافيّون بذلك . لأنّ النقد الثقافي فعالية تستعين بالنظريّات والمفاهيم والنظم المعرفيّة لبلوغ ما تأنف المناهج الأدبية المحضة المساس به أو الخوض فيه، إذ كيف يتسنى للناقد الأدبي أن يخوض في العادي و المبتذل و الوضيع واليومي ، والسوقي بعد ما تمهّر كثيرا في قراءة النصوص المنتقاة والمنتجة التي يتناقلها نقّاد الأدب ودارسوه على مرّ العصور" 9[1] .[1]

يظهر من هذا القول أنّ جاسم الموسمي يرى بضرورة استحداث مناهج جديدة تتماشى مع التغيرات والتحوّلات الما بعد حداثية لقراءة خطابات تتميز بمحمولاتها ، وتنفتح على ثقافة طالما همشتّها الدراسات النقديّة بعد أن تعودت على أدب راق نخبوي ، ويشير إلى أنّ الناقد الأدبي الذي تعوّد على النصوص البلاغية تأنف ذائقته عن الخوض في السوقيّ والمبتذل لأنه تعوّد الاعتماد في تطبيقاته على المنتوج الأدبي الراقي، وعلى ما هوّ نخبوي، ولهذا كان لزاما استحداث إجراء جديد يتماشى مع التحوّلات المفاهيمية الجديدة ومسايرة الوضع الجديد .

أمّا عبد القادر الرباعي فيرى أن النقد الثقافي "يعني التوسع في مجالات الاهتمام والتحليل للأنساق ؛ إذ لم يعد الأدب بالمفهوم التقليدي هو السائد غالبا في مجال الدراسة التحليليّة النقديّة وإنّما غدا في بعض الدراسات المعاصرة جزءا من كلٍّ أكبر و أوسع و أشمل ، حتى سميَّ هذا الكلّ : الدراسات الثقافية [2][2]

يرى هذا الناقد ضرورة توَسُّع مجالات الدراسة والتحليل من خلال النقد الثقافي، لأنّ الأمر لم يعد مقتصرا على النقد الأدبي الذي يسخّر آلياته لما هو جمالي ، لكن هناك ماهوّ غير ذلك ، إلى حيث يصبح هذا النقد ، أي الأدبي جزءا من نقد شامل هوّ الدراسات الثقافية ،وهوّ بهذا يخوّل للنقد الثقافي الأهميّة الكبرى في التحليل (التحليل والتفسير ).

  1. 9

    ناذر كاظم: الهوية والسردأ ، دأراسات في النظرية والنقد الثقافي، دأار الفراشة للنشر والتوزيع، -17] 17[ الكويت، ط 2 ،2016

سابقسابقمواليموالي
استقبالاستقبالاطبعاطبعتم إنجازه بواسطة سيناري (نافذة جديدة)