شروحاتغادر

3- مفهوم النسق الثقافي :

1-3-مفهوم النسق:

1-1-3 النسق لغة :

ورد مفهوم النسق في معاجم اللغة العربية، ومنها معجم لسان العرب لابن منظور في مادة " نَسَقَ " في قوله : "النسق من كل شيء : ما كان على طريقة نظام واحد، عام في الأشياء ، وقد نسَّقْتُه تنسيقا ، و... نسَّقَالشيء ينسقه نسقاونسقه نظمه على السواء...ونسق الأسنان: انتظامها في النبتة وحسن تركيبها ...والتنسيق:التنظيم .والنسق :ماجاء من الكلام على نظام واحد فالنسق وفق هذا المعنى مرادف للنظام والتنظيم سواء في جانبه المادي ،أو جانب المعنى الذهني المرتبط بالكلام .

2-1-3اصطلاحا :

لقد ارتبط مصطلح النسق في البداية بالدراسات البنيوية ، ويعود ذلك إلى مؤسس اللسانيات البنيوية فرديناند دوسوسيرFerdinand de Saussureفي دراسته اللغوية ( نظرية النسق اللغوي) ويكون " تلك العناصر اللسانية التي تكتسب قيمتها بعلاقاتها فيما بينها ، لا مستقلة عن بعضها" 12؛فالعنصر يمتلك قيمته من خلال علاقته ببقية العناصر وليس بوجوده المجرد ، وهذه العناصر تكتسب قيمتها من خلال وظيفتها داخل المجموعة ، وأنّ أيّ خلل في الوظيفة يفقدها قيمتها ودلالتها داخل النسق الذي له قوانينه الخاصة المحايثة، من حيث هو نسق يتصف بالوحدة الداخلية والانتظام الذاتي فالتعريف الذي استخدمه دوسوسير لمصطلحات مثل " النسق" و"النظام" كانت البذرة الأولى للدراسات اللغوية التي نظرت للّغة باعتبارها نظاما أو بنية ، فالانطلاقة الفعلية للتأسيس لهذا المفهوم كانت من حقل لساني .

2-3-مفهوم الثقافة

1-2-3- مفهوم الثقافة عند الغرب:

تعدّدت تعاريف هذا المصطلح لغويا واصطلاحيا وتضاربت ،وقد حصرا ألفراد لويس كرويبرAlfred Louis Kroeber وكلايد كلاكهونClyde Kluckhohn " ما يزيد عن 160 تعريفا في اللغة وتشير الدراسات إلى أن أصل كلمة ثقافة لاتيني وهو cultura ، ويرجع معناه إلى الاهتمام بالأرض وزراعتها واستنباتها وتنمية محصولاتها يعود الفضل للباحث الأنثروبولوجي إدوارد بورنتتايلور Edward Burnett Tylor( 1832-1917)في إعطاء أول تعريف لها في كتابه الثقافة البدائية (primitive culture ) عندما قال : " إنّ "ثقافة" أو "حضارة " هي هذا الكلّ المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق و القانون والعادات وكل القدرات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في مجتمع "

2-2-3 - مفهوم الثقافة في النقد العربي المعاصر :

فقد وردت لفظة الثقافة في القرآن الكريم بمعنى الظفر بالشيء والتفتيش والتنقيب عنه ، فقد جاء في سورة الممتحنة " وإن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء "الممتحنة الآية 2 " ما يدل على قوة الإدراك

والثقافة في نظر مالك بن نبي فرادة الطابع العلمي وما يتحصّل عليه الفرد من معارف مختلفة من ميادين علميّة شتى، إلى أن تصبح أيضا كل ما يكتسبه الفرد من عادات ، وتقاليد ، وقيّم تحدّد شخصيته في مجتمعه و تعامله مع الآخرين ، و تحتاج في بناءها إلى عناصر أساسية وجوهرية تدخل في تكوينها وتشكّل معا تركيبا متجانسا يمتلك فعالية في التأثير والتغيير ؛ تغيير الوضع القائم بالتخلي عن الأفكار القديمة ومواكبة التحضّر من خلال أفكار جديدة لأجل نهضة عربية إسلامية ، وهذه العناصر هي:

- التوجيه الأخلاقي .- التوجيه الجمالي.- المنطق العملي.- التوجيه الفنّي.

3-3 مفهوم النسق الثقافي

ارتحل مفهوم النسق إلى المجال الأدبي ولقي اهتماما من لدُن النقّاد المحدثين وبخاصة لدى أعلام النقد الثقافي ، وأصبح النسق الثقافي مفهوما إجرائيّا ومركزياّ وهو في مشروعهم " مجموعة من القيّم المتواريّة خلف النصوص والخطابات والممارسات" هو المضمر المتخفّي خلف البُنى اللغويّة متلبسا بالجميل في ظاهره ، وقد كان للغذّامي السبق في هذا التأسيس ، وأخذ النسق عنده طابعا مغايرا حيث تجاوز طبيعته المجرّدة الممثّلة لبنية النصّ إلى حيث يتحقق وجوده عبر وظيفته، وليس عبر وجوده المجرد ، وحتّى تتحقّق الوظيفة النسقيّة كان لا بد من وسيلة متطورة كفيلة وقادرة على تعريّة علل الخطاب ورصد حركة الأنساق الثقافيّة فيه ،من خلال توظيف الأداة النقديّة الجماليّة لتكون أداة للتأويل في النقد الثقافي .

وهذا ما كان يتطلّب تحويرا في كثير من المفاهيم والمصطلحات، وكان بداية في تعامله مع نموذج جاكبسون الاتصالي ، فتحرير المصطلح من قيده المؤسّساتي هوّ الشرط الأوّل لتحرير الأداة النقديّة ، وذلك من خلال إجراء تحويلات وتعديلات في المصطلح لكي تكون له القدرة الكافيّة لأداء مهمّته .

وقد اقترح الغذّامي أدوات إجرائيّة تمكنّه من الكشف عن الأنساق المضمرة مقتديّا بجاكوبسون الذي استعار نموذج الاتّصال الإعلامي ونقله إلى النظريّة الأدبيّة كي يفسر وظائف اللغة وتحديدا وظيفة أدبيّة اللغة

1-3-3 النسق المضمر

لا يتحقّق النسق الثقافي في مجال النقد الثقافي حضوره إلّا ضمن شروط وهي

– يتحدّد النسق عبر وظيفته وليس عبر وجوده المجرد

– يقتضي أن نقرأ النصوص و الأنساق قراءة خاصّة ، من وجهة نظر النقد الثقافي ، أي أنّها حالة ثقافيّة والنصّ هنا ليس نصّا أدبيّا أو جماليّا فحسب ، ولكنه حادثة ثقافيّة كذلك .

-أن يتمتع النصّ بالجمالية

- والنسق من حيث هو دلالة مضمرة ، فإنّ هذه الدلالة ليست مصنوعة من مؤلّف ، ولكنها منغرسة ، مؤلّفتها الثقافة

- والنسق ذو طبيعة سرديّة، يتحرك في حبكة متقنة، ولهذا فهو خفيّ

- الأنساق الثقافيّة هذه أنساق تاريخيّة وأزليّة وراسخة

- هناك نوع (من الجبروت الرمزي) ذي طبيعة مجازية كليّة / جماعيّة

-يتجلى من خلا ل هذه المعطيات أنّ النسق الثقافي نسقان ؛أحدهما ظاهر والآخر خفيّ، ولا يكون النسق ثقافيّا إلّا إذا كان مضمرا يتوارى خلف الجمالية اللغوية ، يتمّ اقتفاء آثاره من خلا ل الحفر في المتون ، وذلك من خلا ل إشارات وإيحاءات يعطيها النصّ حينما يصبح بفعل ما يحققه من مقروئيّة وجماهريّة وجماليّة تؤثر بفعل ديمومتها وأزليّتها مشكّلا في حدّ ذاته حادثة ثقافيّة . وبإضافة العنصر السابع نكون قد تحرّرنا من القراءة الجمالية التي تتوقّف على الأعمال الأدبية، إلى حيث القراءة الثقافية التي نستجلي من ورائها الأنساق الثقافيّة في النصّ/ الخطاب ،وبهذه الإضافة تصبح هناك سبع وظائف (ذاتية ، إخبارية ،مرجعية ،معجمية ، تنبيهية ، شعرية ،نسقية )

2-3-3- الدلالة النسقية:

تتولدّ الدلالة النسقية بعد إضافة العنصر السابع وهي "قيمة نحوية و نصوصيّة، مخبوءة في المضمر النصّي في الخطاب اللغوي ونحن نسلّم بوجود الدلالتين الصريحة والضمنية، وكونهما ضمن حدود الوعي المباشر كما في الصريحة، أو الوعي النقدي كما في الضمنيّة، أما الدلالة النسقيّة في المضمر وليست في الوعي

3-3-3 الجملة الثقافية:

تحتاج الدلالة النسقيّة إلى جملة ثقافيّة يعرّفها الغذّامي بقوله: " والجملة الثقافيّة هي حصيلة الناتج الدلالي للمعطى النسقيّ، وكشفها يأتي عبر العنصر النسقيّ في الرسالة ثم عبر تصوّر مقولة الدلالة النسقية، وهذه الدلالة سوف تتجلى وتتمثلّ عبر الجملة الثقافية. والجملة الثقافية ليست عددا كميّا. إذ نجد جملة ثقافية واحدة في مقابل آلاف جملة نحويّة، أي أن الجملة الثقافيّة هي دلالة اكتنازيّة وتعبير مكثّف فهيّ إذن الجملة الكاشفة للنسق والمعبرة عنه كمستوى دلالي ثالث للنصّ

4-3-3- المجاز الكلّي:

استعار الغذامي في مشروعه النقدي مفهوم المجاز من حقول البلاغة أين يعني بالمفردة والجملة إلى مجال الاستعمال الثقافي ، و هو المجاز الكلّي الذي يصبح يمتلك قيمة ثقافية ، وتتحول القيمة البلاغيّة التي ستنفرد بها اللفظة الواحدة إلى أن تكون قيمة ثقافيّة يحتويها الخطاب فـ " المجاز الكلّي هو الجانب الذي يمثّل قناعا تتقنع به اللغة لتمرّر أنساقها الثقافيّة دون وعي منّا

5-3-3--التوريّة الثقافيّة:

يقصد بالتوريّة في البلاغة إيراد لفظ له معنيين أحدهما قريب وغير مقصود والثاني بعيد وهوّ المقصود، وهذا ما قصده الغذامي من التورية لاحتوائها على بعدين وتصبح وظيفة التورية الثقافيّة هوّ البحث عن المضمر المتواري خلف جمالية اللغة

6-3-3-المؤلف المزدوج:

فالمؤلف المزدوج الذي قصده الغدّامي ليس المؤلّف العادي المعهود مهما تعددت أصنافه كالمؤلّف الضمني والنموذجي والفعلي ، إنّما هو المؤلّف/ الثقافة فحينما يكون المبدع في حالة إبداعيّة لإنتاج نّص جمالي ّ تتسرب بالمقابل أنساقا ثقافية متجذّرة في اللاوعي الجمعيّ إلى النص بطريقة لا واعيّة من المؤلف تكون مناقضة لما جاء في الخطاب